|
خديجة مصطفى واو
|
|
|||||||||||||||||||
|
يعتمد سكان غدامس في أسلوب الحياة اليومي التعامل مع البيئة و إحسان استغلال ما هو متوفر لديهم لعيش منسجم و متناغم مع محيطهم. العيشة في الصحراء القاسية تعني عمل مستمر للجميع، مما أدى إلى تحديد دور كل من الجنسين بوضوح . كما ساعد هذا في عزل للوظائف اليومية إلى أعمال مخصصة للرجال و أخرى مخصصة للنساء. على سبيل المثال، يشغر الرجال شوارع المدينة القديمة، بينما تمارس النساء أعمالهن و يتنقلن عن طريق إستخدام الأسطح. من المثير للدهشة، أن هذا خلق نساء مدركات تمامًا لمدى قدرتهن في التأثير على مجتمعهن. و بالرغم من توفر كل سبل العيش الحديثة لدى أهل غدامس، فقد إستمروا على هذا النظام الإجتماعي المبني على التعاون بين الرجال و النساء.
أشارت خديجة إلى باب بيت طفولتها، عندما تمشينا في الشوارع المظلمة الهادئة للمدينة القديمة، و حدثتنا كيف كانت هذه الشوارع ممنوعة على النساء أثناء النهار في صغرها. عاصرت خديجة تغييرات كبيرة في مجال حقوق المرأة في غدامس، و لازالت مذهولة من التقدم الذي أحرزته النساء في هذا الوقت و فخورة بمساهمتها فيه.
كانت معلمة
خديجة في الصف الثاني، سعاد عبد السلام صليد، مصدر إلهام لها و سبب في مثابرتها
على تحصيل العلم منذ صغرها. كانت سعاد و هي أم لإحدى عشر طفلاً، تؤدي واجباتها
العائلية و المنزلية، بما في ذلك جلب الماء من البئر، كل صباح قبل المجيء إلى
المدرسة لتعليم فصل خديجة . كما تتذكر خديجة قدرة والدتها على القيام بأعمال
المحاسبة المنزلية و إصلاح الراديوهات و الآلات الأخرى بدون أن تتحصل على أي
قدر من التعليم. تقول خديجة إن أمها هي أكبر قدوة لها، و هي من فتح الطريق أمامها
لتحقق ما كانت تصبو إليه و للوصول لما هي عليه الآن. بوجود نماذج نسائية حولها
مثل والدتها و مٌدرستها، أصبحت خديجة مقتنعة بأنه بإمكان المرأة التغلب على كل
التحديات و تخطي الصعوبات التي تقابلها، كما أصبحت مدركة لمدى نفوذ المرأة و
تأثيرها على العائلة و المجتمع.
إمتهنت خديجة التدريس في عمر 17 سنة، بعد أن أنهت المرحلة الإعدادية و حصلت على شهادة تعليم من المعهد المتوسط للمعلمات. من خلال مهنتها كمعلمة، كانت تربطها بتلاميذها رابطة قوية و أصبحت أيقونة للمجتمع. و منذ ذلك الحين، و بدعم مجتمعها، سعت خديجة للوصول إلى مناصب أعلى حيث يكون لديها تأثير أقوى على المجتمع.
كان حلم خديجة منذ الطفولة أن تكون رائدة في مجتمعها. أدركت هذا الحلم في عام 1988، حين تم تعيينها رئيسة للجنة حكومية لإحتياجات الشباب. في عمر 26 قبلت خديجة المنصب فخورة بإختيارها لمؤهلاتها على مجموعة من الرجال. في نفس تلك السنة، تحصلت على درجة تدريس ثانية و أنشأت أول حضانة في غدامس. تعتبر خديجة أول تلاميذ تدرسهم بناتها و أولادها و قد ظلت تتابع تقدمهم في الدراسة خلال السنوات. في عام 1999، تلقت خديجة مؤهلها الجامعي في علم الإجتماع من الجامعة المفتوحة في غدامس.
رغم حبها للتّدريس، خديجة تعد نفسها كاتبة. و قد أكملت حديثًا كتابها الأول بعنوان المرأة مرآة المجتمع، و تنتظر نشره. في كتابها هذا، تؤكد أن تقدم المجتمع يُقَاس بمدى وعي نساءه و مشاركتهم في التخطيط للمستقبل. لقد تطور لديها هذا الفكر عبر دراستها لعلم الاجتماع، و بالأخص عبر ملاحظتها للنساء في غدامس. "كل مجتمع لديه ثقافته التي تُوَرَّث إلى الأطفال خلال الأم. و المرأة المدركة هي التي تعكس الثقافة على أجيال المستقبل." باشرت خديجة كتابها الثاني: الدين كتفاعل إجتماعي. في هذا الكتاب تشرح أن التعامل بين البشر هو أساس كل الأديان، و أن كل الديانات تتفق على أهمية كيف نعامل من حولنا.
بدأت خديجة مهنة الكتابة بمقالات في عدة جرائد و مجلات عربية و ليبية. كتبت عدة مقالات في مجلة "البيت" و قصص للأطفال في مجلة "الأمل" في الثمانينات و التسعينات تحت رعاية و توجيه خديجة الجهمي. كما نُشِرَت لها مقالات في الجرائد الكويتية "اليقظة" و "النهضة". كما تعير مواهبها لمنشورات محلية في غدامس مثل "البيداء" و "المرأة و المجتمع."
بالإضافة إلى التدريس و الكتابة و خدمة المجتمع، خديجة معروفة جيدًا في غدامس بمثابرتها في أعمال الخير و الإحسان وعملها للحفاظ على ثقافة غدامس و تراثها و الرقي بهما. و قد عملت خديجة مع منظمة اليونيسيف، و الهلال الأحمر، و جمعية الهناء للأيتام. حالياً تشغل منصب السكرتير المساعد لجمعية الإرشاد الكشفي في غدامس، كما تشارك في تنظيم مهرجان غدامس الدولي السنوي، وأيضًا عدة أنشطة أخرى تعنى بحرية و وعي المرأة. على سبيل المثال، هي عضوة نشطة في الجمعية النسائية في غدامس، حيث تنظم برامج لتعليم الحرف التقليدية. في عام 2002، قلدت وسام الريادة من قبل الحكومة الليبية لتفانيها في خدمة قضايا اجتماعية و الوعي الثقافي، و بخاصة لعملها مع النساء.
مبدأ خديجة في مناصرة المرأة إنبثق من التعاون المطلوب للتعايش في مكان مثل غدامس. بالإضافة إلى ذلك، توجهاتها لا تتعارض مع ثقافتها و محيطها، و لكن مٌلْهَمَة بتراثها و سيرة النساء القويات في تاريخ غدامس. تقول خديجة، "بعض النساء يعتقدن أن الرجال عقبة في طريق تقدمهن؛ في الحقيقة، من الممكن أن يكون الرجال مصدر تشجيع و دعم لهن." يتسم المجتمع الغدامسي بإحترام تقاسم الأدوار بين الرجال و النساء، و تفاعلهم الذي يختلف إلى حدٍ ما عن النماذج الموجودة عادة في المدن الليبية الكبيرة. بالتأكيد تتميز غدامس بمشاركة و نجاح نساءها؛ نجاح تحقق برؤية و مجهودات غدامسيات مثل خديجة واو . |
||||||||||||||||||||
|
* ماجدة فحيمة-الشركسي عضو سابق و مؤسس مشارك في مؤسسة تبرة. ** بإذن من Jorge Tutor |
||||||||||||||||||||
الحقوق محفوظة لـ مؤسسة تبرة © .
جميع الحقوق محفوظة. يمنع منعا تاما استخدام أي مادة من هذا الموقع دون إذن مسبق